المحمّرة .. المدينة و الإمارة

<< شيدت إمارة المحمّرة على يد الشيخ مردآو بن علي بن كاسب الكعبي

<< امتاز الحاج جابر بجرأته السياسية واستطاع أن يوطد دعائم إمارته وأن يكسب ثقة رعاياه وتأييد الدول المجاور

المحمّرة.. هي مركز الإمارة، وميناء تجاري مهم يقع جنوب غرب الأحواز. وكانت فی السابق تسمی «بیان»، شيدها الشيخ يوسف بن مرداو الكعبي عام 1812م، وهو ثاني أمراء المحمّرة. والسبب فی تسمیتها بذلك الاسم هو, زراعة الرز الأحمر فیها، ولها أهمية استراتيجية و اقتصادیة کبیرة، وذلك لما تمتلكه من طرق مواصلات مائیة، وفیها یتصل نهر «الكارون» بشط العرب لیصب فی الخلیج العربي وبحر عمان ثم فی المیاه الدولیة. وتبعد المحمّرة عن مدينة الأحواز (120 كم)، غيرت السلطة الإيرانية اسمها إلى (خرمشهر).

شُيدت إمارة المحمّرة على يد الشيخ مردآو بن علي بن كاسب الكعبي, بعد خلاف بين فرعي قبيلة كعب, البوناصر والبوكاسب, وقد استقر فرع البوكاسب على مصب نهر الكارون في شط العرب ليؤسسوا بعد ذلك إمارة المحمّرة التي ذاع صيتها وأصبحت أول إمارة عربية في منطقة الخليج العربي تنال استقلالها عن الدولتين العثمانية والفارسية.

وبعد وفاة الشيخ مرداو, خلفه ابنه الأكبر الحاج يوسف في رئاسة القبيلة. وشيّد يوسف في عام 1812م مدينة المحمّرة  لتبرز فيما بعد أهميتها الدولية بسبب موقعها الهام الذي جعلها عرضة للأطماع البريطانية وموضع نزاع عثماني فارسي طويل حول ادعاء كل منهما بتبعيتها له.

وبعد الشيخ يوسف تولى أخوه الحاج جابر رئاسة الإمارة. ويعتبر عهده في تاريخ –عربستان الأحواز- عهداً جديداً، فقد امتاز بجرأته السياسية واستطاع أن يوطد دعائم إمارته وأن يكسب ثقة رعاياه وأن يحصل على تأييد الدول المجاورة. وقد عـُد واضع حجر الأساس  لكيان المحمّرة السياسي.

وعرف الحاج جابر كيف يستميل الشاه الفارسي، والوالي العثماني  بالعراق في وقت واحد ويكسب ثقتهما وتأييدهما له. فكان مقره في المحمّرة ومحل سكناه في كوت الزين في البصرة.

ومن أبرز ما حدث للمحمّرة أيام حكمه تعرضها لهجوم عثماني. فلما آلت وزارة بغداد إلى عهدة علي رضا باشا اللاز، من قبل السلطان محمود وعزل عنها داود باشا، وأرسل إلى اسطنبول واستولى (علي رضا باشا) على  أمواله وخزائنه واستقر له أمر العراق، عزم على مهاجمة المحمّرة بالقوة لتدميرها.

وفي صباح 20 رجب سنة 1253هـ -1837م هوجمت المحمّرة من الجهتين، ودام القتال ثلاثة أيام. وفي 23 رجب تمّ استيلاء (علي رضا) على المحمّرة. فأمر بدك حصونها وهدم دورها وقتل الرجال وسبي النساء وأباح النهب والسلب ثلاثة أيام. لم يدُرْ بخلد الأحوازيين أن (علي باشا) سيفاجئهم بمثل تلك القوات ليدمر بها مدينتهم دون أن يجنوا ذنباً أو يقترفوا إساءة تدعو لتلك القسوة.

غير أن الهجوم لم يغير شيئا من الكيان السياسي للإمارة فتألق فيه نجم الحاج جابر بعد أن خرج العثمانيون منها، فأعاد بناءها ووسعها.

وعرف الشيخ جابر – الذي امتاز بالذكاء والشجاعة – كيف يستغل الظروف لمصلحته. وبقي يمارس حكمه مستقلاً عن فارس وعن الدولة العثمانية، ولم يخضع لسلطة وهيمنة أي منهما أو سيادته، بل استمرت سيادة إمارته المطلقة. حتى أن عربستان – الأحواز- تعرضت في 26 آذار 1857م لهجوم بريطاني، واحتلت القوات البريطانية المحمّرة لمدة ثلاثة أشهر ووجدت الدولة الفارسية نفسها عاجزة عن الدفاع عنها وعن إدارة شؤونها أو الادعاء بهذه الإدارة الشكلية، إذ كانت فارس آنذاك في وضع لا تحسد عليه من التفكك والانهيار. ولم يكن في كل هذا ما يربطها بالأحواز سوى معاهدة سياسية شكلية، لهذا فقد أصدر ملــك بلاد فارس (ناصر الــدين شاه القاجاري) مرسوما شاهنشاهيا مؤرخ في عام 1857م يعلن فيه اعتراف بلاده باستقلال الإمارة استقلالا ذاتياً تحت حكم آل مرداو وقد كان المرسوم الشاهنشاهي ينص على سبعة نقاط:

أولاً: الاعتراف بأن تكون إمارة المحمّرة أو ما كان يُعرف باسم عربستان, إلى الحاج جابر بن مرداو ولأبنائه من بعده.

ثانيا: -يقيم فــي المحمّرة مندوب الحكومة الفارسية ليمثلها لدى أمير عربستان وتنحصر مهمته في الأمور التجارية.

-يتعهد أمير عربستان بنجدة الدولة الفارسية في حال اشتباكها في حرب مع أي دولة أخرى.

وهكذا صدر هذا الاعتراف الرسمي باستقلال المحمّرة وبإمارة  الحاج جابر عليها بعد مرور عشرة أعوام فقط على عقد معاهدة «أرضروم» الثانية.

توفي الحاج جابر سنة 1881 م بعد أن تجاوز التسعين من عمره، فانتقلت الإمارة إلى ابنه الشيخ مزعل .

المحمّرة في  عهد حكم الشيخ مزعل ابن الحاج جابر (1881-1897م):

لقد مثلت مرحلة  حكم الشيخ مزعل فترة انتقالية في تاريخ الإمارة – من الاستقلال الذاتي الذي حصل عليه أبو الحاج جابر إلى الاستقلال التام الذي حققه أخوه الشيخ خزعل بعدئذٍ. فقد تولى الشيخ مزعِـل إمارة المحمّرة إثر وفاة أبيه.

شهد عصر الشيخ مزعِل تغلغل النفوذ البريطاني في المنطقة وتقويته فاتجهت بريطانيا إلى «إمارة المحمّرة العربية لكي تتخذ منها قاعدة لمواجهة التقدم الروسي في فارس» فبذلت جهودها في إقناع الشيخ مزعِـل بأنها ليست لها أية أهداف عسكرية، وأن مصالحها تعتمد على التطور السلمي للتجارة في المناطق الواقعة على شواطيئ شط العرب. وأن مشاريعها تهدف إلى تحسين طرق المواصلات في المنطقة، ولكن المتتبع لمجريات الحوادث يلاحظ أن هدف التغلغل البريطاني كان من أجل تحقيق استثمارات في المناطق الغنية الواقعة على جانبي حوض نهر الكارون في إقليم الأحواز.

دامت إمارة الشيخ مزعِل ستة عشر عاماً، إلا أنه وفي الأول من محرم سنة 1315هـ – 1897م. وحين كان ينزل إلى قصر الفيلية من قارب صغير بجانب القصر أطلق عليه النار ليخر صريعاً ومعه سبعة عشر رجلا ليتبوأ أخوه الشيخ خزعل بعده الإمارة.

المحمّرة في عهد الشيخ خزعل

ولد الشيخ خزعل بن جابر بن مرداو سنة 1862م في المحمّرة ونشأ وتعلم فيها وقد تولى الإمارة على إثر مقتل أخيه الشيخ مزعِـل في 1/6/1897م.

ويعد الشيخ خزعل من الشخصيات العربية البارزة في تاريخ العرب الحديث، إذ إنه لعب دوراً رئيسياً في أحداث الخليج العربي في الربع الأول من القرن العشرين، وساهم مساهمة فعالة في أحداثه، واحتل مكانة مرموقة بين أمراء الجزيرة العربية. وحرص أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب – على أن يؤكد لنا: «أنه أكبرهم – بعد الشريف حسين- سنّاً وأسبقهم إلى الشهرة وقرين أعظمهم إلى الكرم». وتأتي أهمية الشيخ خزعل من أن إمارته شهدت أيامه أحداثا غاية في الأهمية، فقد شهد تفجر النفط وتبلور المصالح الأجنبية في منطقته، وشهد قيام الحرب العالمية الأولى، وعـدّ موقع إمارته الاستراتيجي خطيرا إبانها، كما شهد انهيار الحكم القاجاري في إيران وقيام الحكم البهلوي محله، ذلك الحكم الذي احتل الأحواز و أطاح بحكمه.

لقد كان للشيخ خزعل عند علماء الدين مقام كبير وكان قصره لا يخلو من وفودهم وقد زاره مفتي فلسطين آنذاك الحاج أمين الحسيني في المحمّرة للحصول على هبة لترميم المسجد الأقصى، فأعطاه تسعة آلاف روبية.

وقد عرف عن الشيخ خزعل علاقاته الوطيدة مع شيوخ العرب والمتنفذين من الشخصيات المجاورين لإمارته. كما أنه حسّن صلاته مع بلاد فارس  «فكسب احترام وحب أكابر رجالها، ونال بذلك أعظم أوسمتها وألقابها».

كما وطد علاقاته مع بريطانيا، ولذا فإن فترة حكمه تمثل تغيرا جذريا في سياسة المحمّرة مع الموظفين الإنكليز في الخليج العربي، فقد زالت تلك المعارضة التي صرح بها أبوه وأخوه منذ فتح نهر الكارون للملاحة النهرية ولقيت الشركة البريطانية (لنج) مساعدات قيمة من حكومته، وقد أخذت السفن البريطانية المارة في شط العرب أمام قصره تطلق له مدافع التحية.

و في سنة 1908م تم العثور على النفط في مسجد سليمان – إحدى المدن الشرقية للأحواز الخاضعة لإمارة المحمّرة. لذا فقد فتح الإنكليز باب المفاوضات مع أمير المحمّرة الشيخ خزعل لإنشاء معمل لتكرير النفط في مدينة عبادان، إضافة لمد خط أنابيب طوله 130 ميلا بين الحقول ومرفأ النفط في عبادان. وبعد أربعة أيام من المفاوضات توصل الطرفان في السادس من مايو أيار سنة 1909م إلى اتفاق يقضي بدفع 650 ألف جنيها سنويا إلى الشيخ خزعل كإيجار لموقع معمل تكرير ومرور أنابيب النفط عبر أراضيه، إلى جانب تأييد استقلاله ضد ادعاء الحكومة المركزية، ووعد بمساعدة عسكرية إذا ما تعرض لأي اعتداء).

كان الشيخ خزعل قد حصل  من بريطانيا  قبل الحرب العالمية الأولى على تأكيدات رسمية لاستقلاله تضمنتها رسالة أرسلها إليه السفير البريطاني في طهران آرثر هادنك في 7كانون الأول 1902م، وجاء في الرسالة: إننا نحمي المحمّرة من كل هجوم بحري تقوم به دولة أجنبية مهما كانت حجة التدخل الذي تدعيه. وأكد السفير ضمان توارث الحكم في أسرة الشيخ خزعل وسيادته على عربستان- الأحواز – والعمل على عدم إحداث أي تغيير في المنطقة مهما كانت الوسائل.

غير أن بريطانيا التي كانت تعد للإطاحة بالحكم القاجاري في بلاد فارس قد غلبت ظهر المجن لحليفها أمير المحمّرة الشيخ خزعل ابن جابر عندما أوعزت إلى رجلها الوفي رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإيراني رضا خان بهلوي(ملك إيران فيما بعد) لغزو المحمّرة واحتلالها والإطاحة بحكم الأمير خزعل وذلك في أواخرشهر تشرين الثاني/نوفمبر 1923 لتكون مقدمة احتلال وسيطرة تامة على زمام الأمور في جميع أنحاء الإِمارة العربية وتوطيدا لحدث النهاية وذلك في ليلة 19 على يوم 20 نيسان 1925 حيث تم أسر الأمير خزعل ونهاية استقلال المحمّرة بضمها إلى إيران.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *