الممر الإيراني إلى البحر المتوسط.. ضربة في قلب قناة السويس

>> «روحاني»: من الأهمية بمكان لأمننا القومي والاقتصادي إنشاء «ممر دولي» يربط أوروبا بالهند والخليج العربي عبر إيران
>> الممر يخفض تكلفة النقل 2500 دولار لكل 15 طنا.. ويستغرق 14 يوما مقابل 40 عبر قناة السويس
>> موقع «روسيا اليوم»: ممر «الشمال- الجنوب» يُعد بديلا واقعيا عن طريق النقل البحري عبر القناة المصرية
>> وصول «الحشد الشعبي» إلى الحدود السورية تطور نوعي مهم يضمن وصول إيران إلى البحر المتوسط

خاص – قناة المحمّرة| شريف عبد الحميد:

في كتابه «الأمن القومي الإيراني والنظام الاقتصادي» الصادر عام 2010، أكد الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني أن من الأهمية بمكان للأمنيّن القومي والاقتصادي الإيراني إنشاء «ممر دولي» يربط أوروبا بالهند والخليج العربي عبر إيران، وروسيا وأذربيجان، وصولا إلى البحر المتوسط عبر سورية والعراق، ليصبح هذا الممر أحد أرخص الطرق من قارة آسيا إلى أوروبا، وهو الدور الذي تقوم به قناة السويس المصرية منذ افتتاحها عام 1869 وحتى الآن.
وفي أغسطس 2016، عقد رؤساء كل من روسيا وإيران وأذربيجان، فلاديمير بوتين وحسن روحاني وإلهام علييف، اجتماعا ثلاثيا في العاصمة الأذربيجانية «باكو»، وبعيدا عن القضايا السياسية التي كانت على طاولة نقاشات القمة الثلاثية، برز مشروع عملاق حاز على نصيب الأسد في هذه القمة، وهو المشروع الذي دعا إليه «روحاني» قبل ذلك بـ6 أعوام.
وإن هي إلا أسابيع، حتى خضعت هذه الفكرة للاختبار الأولي عبر نقل بضائع من الهند إلى «باكو» عبر ميناء «بندر عباس» الإيراني، من خلال الممر المائي يصل طوله إلى 7200 كم. وأظهرت نتائج هذه التجربة إلى أن تكاليف النقل تقلصت بواقع 2500 دولار لكل 15 طنا، كما أنه استغرق 14 يوما فقط، في مقابل 40 يوما عبر طريق قناة السويس.
وأكد موقع «روسيا اليوم» أن هذا الممر يُعد «بديلا واقعيا» عن طريق النقل البحري عبر القناة المصرية، فعن طريق «الشمال- الجنوب» سيتم نقل شحنات البضائع بنظام «الترانزيت» من المحيط الهندي والخليج العربي عبر إيران وبحر قزوين وروسيا إلى بلدان شمال وشرق أوروبا، من خلال طريق أقصر بكثير من طريق قناة السويس.
وأكد الموقع أن مشروع إنشاء وتطوير ممر النقل الدولي «الشمال- الجنوب» يهدف الى نقل الشحنات والبضائع بـ«الترانزيت» من الهند وإيران ودول الخليج العربية، عبر بحر قزوين، إلى روسيا ، ومنها إلى شمال وغرب أوروبا، علما أن هذا المشروع لن يقتصر فحسب على النقل البحري، بل سيتضمن خطوط نقل برية وسككا حديدية.
فيما قالت صحيفة «روزنامة دنياي اقتصاد» الإيرانية إن ممر النقل الدولي «الشمال- الجنوب» سيكون الممر الرئيسي في مجال نقل البضائع بين أوروبا وآسيا، مشيرة إلى أنه سيكون طريقا للعبور من شمال أوروبا والدول الإسكندنافية وروسيا عبر إيران ودول الخليج، وهي منطقة تربط بين المحيط الهندي وجنوب شرق آسيا، وتعود أهمية المشروع إلى قلة التكلفة، والسرعة في عبور البضائع بين آسيا وأوروبا.
مغامرة خطيرة
يُعتبر النقل بصفة عامة، والنقل البحري على وجه الخصوص، شريان الاقتصادي العالمي؛ إذ يتنم عبر البحار نقل 90% من إجمالي حجم التجارة الدولية، وتلعب الممرات البحرية دورا مهما في تسهيل حركة هذه التجارة. ونظرا لتلك الأهمية؛ سعت كل دولة مطلة على منفذ بحري إلى الاستفادة القصوى من موقعها، بغية تنويع مصادر دخلها، وهو ما ينطبق بجلاء على التوجه الإيراني الجديد.
غير أن الانتهاء من تنفيذ المشروع أمر في غاية الصعوبة، حيث يكتنفه كثير من الصعوبات، التي تتمثل في المسافة الكبيرة التي تقدر بنحو 1000 كم، بالإضافة إلى التكلفة العالية، والتضاريس الصعبة، حيث ذهب البعض للقول بأن هذا المشروع يعد “مغامرة اقتصادية وبيئية خطيرة على إيران”.
وتواجه المشروع عدة عقبات منها:
• طول المسافة التي يقطعها هذا الممر بريا داخل الأراضي الإيرانية، في ظل تضاريس بيئية صعبة. خصوصا مع الفكرة الخاصة بحفر القناة الملاحية التي تربط بحر قزوين بالخليج العربي.
• ارتفاع التكلفة التأمينية على الحاويات والبضائع المنقولة؛ إذ يضم الممر طرقا برية وخطوط سكك حديدية كما هو الحال في نقل البضائع جنوبا عند وصولها إلى ميناء «بندر عباس» الإيراني؛ إذ تُنقل الحاويات إلى داخل الأراضي الإيرانية عبر الطرق البرية والسكك الحديدية؛ ما يجعلها أكثر عرضة للتلف نظرا لمرور هذه الطرق عبر الجبال والصحاري، وهو ما يعني ارتفاع تكلفة التأمين لهذه الحاويات.
• عدم إتمام البنى التحتية لأجزاء كثيرة من الممر؛ إذ يتطلب نجاحه التزام كل دولة مشاركة فيه بتوفير الخدمات اللوجيستية المناسبة وغير المكلفة وذات الجودة العالية، كما تُعد البنى التحتية لسكك الحديد الإيرانية غير مجهزة لنقل الحاويات. كذلك الأمر بالنسبة لأذربيجان لا يوجد لديها أي نقل لوجستي باستثناء النقل النفطي.
• المشكلات السياسية والأمنية التي تواجه مسارات الممر، بسبب الصراعات المشتعلة بين بعض دوله، مثل الصراع الروسي- الأوكراني ما بعد ضم جزيرة القرم إلى روسيا، والصراع الآذري- الأرميني بسبب الاحتلال الأرميني لما يقارب 20% من الأراضي الآذرية.
ورغم ذلك، أصرت كل من موسكو وطهران وباكو على الاستمرار في التعاون لتنفيذ هذا الممر الجديد، عبر الانتهاء من مشاريع لربط خطوط السكك الحديدية، ضمن خطط تطوير وتحسين أداء ممر النقل الدولي «الشمال – الجنوب».
ومن المقرر أن يضم الممر خطوطا للسكك الحديدية من أذربيجان وإيران وروسيا ضمن المشروع، ويُخطط ضمن المرحلة الأولى منه لنقل 5 ملايين طن من البضائع سنويا، على أن تبلغ كمية البضائع والشحنات التي ستنقل في المستقبل على أساس سنوي ما يقرب من 10 ملايين طن.
وبدأت الدول الثلاث فعليا بحث تفاصيل الجوانب العملية لتنفيذ مشروع النقل الدولي العملاق، على طول ساحل بحر قزوين الغربي، بعمل تصورات للممر، بمشاركة وزارات النقل، التي تبحث المعايير الفنية والمالية للمشروع، كما اتفقوا أيضا على التصورات للتعاون بين الجمارك والخدمات القنصلية.
وترى هذه الدول، وفي مقدمتها إيران، أن العمل على هذا المشروع ذو أهمية استراتيجية كبرى، حيث يمكن أن تتحكم هذه الدول في حلقة وصل بين شرق آسيا والمحيط الهندي والخليج من جهة والدول في شمال شرق ووسط أوروبا. كما تعتبر إيران المشروع بعد اكتماله بديلا لمصدر الدخل النفطي الأساسي، لكونه سيقلص الوقت والمسير في نقل البضائع والحاويات من أوروبا إلى الخليج وجنوب آسيا.
أما على الجانب الروسي، فسيمنح المشروع روسيا مدخلا استراتيجيا إلى مياه المحيط الهندي، وهو ما سيعزز النفوذ الروسي بين الدول التي تعمل على تقليل الاعتماد على خط قناة السويس، بسبب موجة الكساد العالمي التي أجبرت شركات النقل إلى البحث عن ممرات أوفر.
وهذا الطريق الجديد يمكنه حمل البضائع من الهند إلى أوروبا، مع توفير 50% من الزمن الذي تحتاجه عن طريق ممر قناة السويس، لذا سيكون بديلا ومنافسا قويا كما يتوقع القائمون عليه.
كما تستهدف روسيا، من جانبها أيضا، الوصول إلى المياه الدولية في المحيطين الهادئ والأطلسي بطرق أكثر أمنا، فالوصول إلى هذه المناطق من خلال المياه الدافئة هو هدف استراتيجي قديم للروس.
والمسار التقليدي للممر هو العبور من بحر الخزر من أوروبا عن طريق روسيا، ثم بحر الخزر من الشمال – الجنوب، وصولًا إلى موانئ إيران في منطقة بحر الخزر أبرزهما مينائي «أمير آباد وأنزلي”، ومن ثم العبور من الأراضي الإيرانية عن طريق القطارات أو النقل البري وصولًا إلى «بندر عباس» من هناك إلى دول الجنوب والجنوب الشرقي لآسيا.
ويرى المراقبون أن ثمة مسارا آخر للممر، وهو المسار الغربي عن طريق العبور من غرب بحر الخزر، وتنقل الحمولة الأوروبية عن طريق روسيا أو من خلال المرور بالبحر الأسود وجورجيا، وصولًا إلى أذربيجان، وتدخل إيران من خلال معبر «آستارا» الحدودي، وهذا المسير من أوروبا إلى «بندر عباس» هو الأقل من حيث الزمن، من بين البدائل للربط بين أوروبا – الخليج – شبه القارة الهندية.
أما المسار الأخير المتوقع فهو المسار الشرقي، عبر المرور من شرق بحر الخزر عن طريق روسيا مرورًا بتركمانستان وصولًا إلى إيران وينتهي إلى «بندر عباس».
ويُلاحظ من المسارات المحتملة أن إيران ستلعب دورا استراتيجيا في أي من تلك المسارات، لذا تسعى إيران للاشتراك في أحد أقوى المشاريع المقترحة للربط التجاري بين الصين وأوروبا.
سر معركة الحدود السورية
في مايو الماضي، نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تقريرا كشفت فيه النقاب عن تغيير خط العبور الأول المقرر ضمن مشروع الممر، والذي يبدأ من: «طهران – بعقوبة – الشرقاط – سنجار- ربيعة – القامشلي – كوباني – حلب – إدلب – حمص – اللاذقية، ثم المتوسط»، إلى خط جديد يبدأ من: «طهران – بغداد – الشرقاط – تلعفر – دمشق – حمص – اللاذقية»، مبتعدا بذلك، عن المناطق الكردية في الشمال السوري، القامشلي وكوباني وحلب وإدلب. ومتجها نحو الجنوب بحوالي 140 كم.
وهذه المتغيرات تفسر توجه القوات السورية النظامية والمليشيات الشيعية مؤخرا إلى مناطق شهدت صدامات مؤخرا وحتى تدخلات أمريكية عسكرية.
وفي 28 مايو الماضي أعلنت مليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية العراقية المدعومة من إيران، عن بلوغها منطقة الحدود مع سوريا في محيط قرية «أم جريص» الواقعة ضمن قضاء سنجار. ويعتبر وصول «الحشد» إلى الحدود السورية تطوّرا نوعيا مهمّا، تسعى من خلاله طهران للوصول إلى البحر المتوسط، حلمها النهائي، من أجل شق ممر «الشمال- الجنوب».
وذكرت وحدة الدراسات العراقية بـ «مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية» في دراسة أعدتها بعنوان «الحدود العراقية السورية.. وجه آخر للصراع الإقليمي والدولي» أنه على وقع المعارك التي تشهدها مدينة الموصل منذ أكثر من 7 أشهر، تشهد الحدود العراقية السورية الممتدة عبر صحراء الأنبار وصولاً إلى مدينة الموصل، سباقا وصراعا محتدمين بين القوات الأمريكية وحلفائها من جهة وقوات الحشد الشعبي من جهة أخرى، وذلك للسيطرة عليها.
وقال المركز في تقرير له بعنوان «الممر الإيراني… هل بات أمرا واقعا؟»، نُشر في 14 من هذا الشهر «يونيو»، إن الأنظار تتركز حاليا على المناطق المتاخمة للحدود السورية العراقية، وسط تساؤلات حول من ستؤول إليه الغلبة لفرض السيطرة عليها؛ الولايات المتحدة وحلفاؤها على الأرض أم إيران وحلفائها؟
ومع وصول «الحشد الشعبي» إلى مناطق الحدود السورية، داخل حدود محافظة نينوى العراقية، أصبح بالإمكان القول إن هناك طريقا بريا مؤمّنا داخل الأراضي العراقية يربط إيران بسوريا. يبدأ هذا الطريق من حدود العراق الشرقية مع إيران ليدخل محافظة ديالى، ثم يتجه نحو مناطق شمال محافظة صلاح الدين ويتجه نحو صحراء نينوى الغربية، وصولا إلى الحدود السورية، من أجل إنشاء ممر بري يصل بين طهران وبيروت، مرورا بمعبر الوليد إلى دمشق أو حمص، وبالتالي البقاع ويكون طريقا تطال من خلاله إيران عنان البحر المتوسط.
وسيفتح الطريق الإيراني نحو «المتوسط» مجالا واسعا ورخيصاً لحركة النفط والغاز والسلع الإيرانية باتجاه أوروبا ودول شمال أفريقيا، وهذا هو أحد الأسباب لاعتبار ما حققه «الحشد الشعبي» إنجازا استراتيجيا كبيرا لطهران، على الصعد الاقتصادية والعسكرية والسياسية كافة. لذلك تشكل البادية الممتدة من وسط سوريا إلى الحدود العراقية أهمية استراتيجية بالنسبة إلى طهران، حيث يتم عبرها إمداد القوات التابعة لها في سوريا بالأسلحة. ولهذا تضع إيران كل ثقلها في معركة البادية السورية، حيث أرسلت المجرم الإرهابي قاسم سليماني، قائد مليشيا «فليق القدس» الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، للإشراف على العملية هناك.
ويقول خبراء عسكريون واستراتيجيون إن البادية هي حجر الزاوية في مشروع «الحزام الأمني” الإيراني الذي يبدأ من العراق ويمر بسوريا ويصل إلى لبنان والبحر المتوسط، وبالتالي فإن السيطرة عليه مسألة ضرورية وفق الرؤية الإيرانية.
ويرى خبراء في شؤون النقل أن الممر الجديد سيسحب البساط من تحت أقدام المصريين، وأنه يعد بديلا اقتصاديا مهما لقناة السويس، لافتين إلى أن المشروع كان قد طرح عام 2000 لكنه لم يحرز تقدما، بسبب العقوبات التي كانت مفروضة على طهران، وأن القمة الثلاثية في باكو شهدت إعادته إلى الحياة لأسباب سياسية واقتصادية.
ويقول الخبراء أن الحكومة في أذربيجان أكدت أنها ستتحمل نصف مليار دولار لصالح الممر، حيث تحرص على تأسيس وضعها كمحور عالمي للنقل، وأن المصالح الاقتصادية لأذربيجان تتقاطع بشكل كامل مع المصالح الإيرانية والروسية.
ويشير الخبراء إلى أن سبب تأييد طهران للمشروع يتعلق بعدائها للمملكة العربية السعودية، وأنه منذ أن أعلنت القاهرة والرياض إقامة جسر يربط بينهما فوق البحر الأحمر، قررت طهران طرح مشروع الممر «الشمالي – الجنوبي»، الذي سيختصر فترة عبور سفن البضائع من الهند إلى أوروبا إلى 14 يوما فقط، بدلا من 40 يوما تستغرقها السفن في المسار الذي يمر عبر قناة السويس، وهو ما يعني أيضا توفير نفقات طائلة.
وتوقعت وكالة «تسنيم» الإيرانية أن يؤثر هذا المشروع في حال إنشائه على قناة السويس، خاصة أن القناة الجديدة توازي قناة السويس من حيث الطبيعة الجغرافية، لكنها تختصر الكثير من الوقت، وتقلص النفقات المادية لنقل البضائع، كما أن مشروع ممر الشمال – الجنوب المتوقع إنشاؤه لا يقتصر على البعد البحري فحسب، بل يتضمن خطوط نقل برية وسكك حديدية.
ولفت الخبراء إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعتبر الأمر «فرصة لا تُعوّض»، حيث قال «أردوغان» عقب لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو قبل بضعة أشهر، إن بلاده قد تنضم للمشروع في إطار التعاون الاقتصادي بين البلدين.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *