الأحد, 30 نوفمبر 2025

مجلة «المحمّرة»|لماذا ثارت الشعوب الإيرانية على الملالي؟

194 مشاهدة
منذ 7 سنوات
<< «ثورة على الثورة» في إيران بعد أن فاقت نسب التضخم 45%.. وعاني نصف سكان البلاد من الفقر  <<العملة الوطنية خسرت أكثر من 65% من قيمتها أمام الدولار لتصل إلى 29 ألف «تومان» مقابل الدولار الواحد << البطالة وصلت إلى 60% في بعض المناطق.. و2.5 مليون شاب فقدوا وظائفهم بين عامي 2005 و2013   اندلعت احتجاجات عنيفة في إيران مؤخرا، وثارت الشعوب الإيرانية ضد حكم الملالي فيما اعتبره المراقبون السياسيون «ثورة على الثورة» التي شهدتها البلاد عام 1979 وأطاحت بحكم الشاه محمد رضا بهلوي، ثم دارت عجلة التاريخ لتضع «آيات الله» المزعومين في مأزق تاريخي خطير. انطلقت الاحتجاجات في إيران يوم 28 ديسمبر الماضي من مدينة مشهد، وامتدّت لاحقًا إلى أكثر من 70 مدينة من بينها طهران وأصفهان وشيراز وقم وغيرها، وتعطّل معها سير الحياة في عدة مدن إيرانية وأُقفلت محال تجارية أبوابها بعد إغلاق عدد من الميادين والشوارع ومحطات مترو الأنفاق في العاصمة طهران، كما توقفت الدراسة في مدارس طهران مع تزايد حدة المظاهرات الغاضبة. ثورة الفقراء والمستضعفين قامت «الثورة على الثورة» على أيدي الفقراء والمستضعفين في البلاد المنكوبة بالطغاة من الملالي، بعد أن عاني نصف سكان البلاد من الفقر، وفاقت نسب التضخم في البلاد 45%، حسب تقديرات غير رسمية، ووصل معدل البطالة الحالي في بعض مناطق البلاد إلى 60%، حيث تحتاج السوق الإيرانية من أجل خفض نسب البطالة إلى 800 ألف فرصة عمل جديدة سنويا، وهو أمر مستحيل في ظل الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد، بعد أن أنفق عشرات المليارات من الدولارات على «حروبهم الصغيرة» في سوريا والعراق واليمن وأفغانستان، وتركوا الشعوب الإيرانية غارقة في الفقر والفاقة والمرض. ونتيجة لتدخلات الملالي في المنطقة العربية ومحاولات مد نفوذها عبر أنظمة ومليشيات إرهابية، فقد انعكس ذلك بالسلب على أداء الاقتصاد الإيراني، فعندما تقوم طهران بإنفاق 500 مليون دولار على تدخلها لدعم نظام الأسد، وعندما تصرف مئات الملايين من الدولارات على «حزب الله» في لبنان و«الحشد الشعبي» في العراق، و«الحوثيين» في اليمن، فإن ذلك سيؤثر بالتأكيد تأثيرا سلبيا بالغا على قدرة الاقتصاد على النمو أو حتى محاولة النمو، حتى وإن حاول النظام الإيراني تبرير تدخلاته بأنها من «أجل أهداف استراتيجية»، تظل الكلفة عالية ولا يستطيع اقتصاد مازالت آثار العقوبات الدولية ظاهرة عليه أن يتحملها لفترة طويلة. ويرى المراقبون أن السبب في هذه الاحتجاجات هو اتّباع سياسات اقتصادية خاطئة، وأن إصرار الحكومات المتعاقبة على السياسات جاء بضغوط من جهات مستفيدة من هذه السياسات مثل «الحرس الثوري»، وهو أحد أسباب الفشل الاقتصادي في إيران، حيث يتحكم «الحرس» في 70% من الأنشطة الاقتصادية في البلاد وما تتضمنه من ثروات واستثمارات، وغايته هو جني أكبر قدر من الأموال لرصدها في خزينته ليبقى الآمر الناهي في البلاد وحارسا يقظا لنظام الملالي في إيران، ومد أذنابه في الخارج، دون النظر إلى أيّ اعتبار للمصلحة العامة والمواطن. ووفقا لتقرير «البنك الدولي» عن عام 2016، يعاني الاقتصاد الإيراني من مشاكل هيكلية تتعلق بتفاوت الأجور، والبطالة وقلة المعروض من فرص العمل، بالإضافة إلى تسريح مجموعة كبيرة من العمال في المصانع والشركات التي توقفت عن العمل بسبب هذه الأزمة، حيث خسر ما يقارب 2.5 مليون شاب إيراني وظائفهم بين عامي 2005 و2013. وفي هذا الصدد، قال مهدي بور قاضي رئيس اللجنة الاقتصادية في غرفة تجارة طهران «إن 30 %من وحدات الإنتاج الصغيرة توقفت عن العمل بسبب مشاكل في تأمين رأس المال، وأيضا بسبب الركود الاقتصادي، كما أن 50% من وحدات الإنتاج الصغيرة التي تبلغ 82 ألف وحدة إنتاج تنتج فقط نصف قدرتها الإنتاجية». ولقد ثار الإيرانيون مؤخرا بعد أن تفاقمت خسائر العملة الوطنية «التومان»  لتصل الى أقل مستوياتها على الإطلاق بنهاية عام 2016، حيث خسرت العملة أكثر من 65% من قيمتها أمام الدولار لتصل إلى 29 ألف «تومان" مقابل الدولار الواحد. وأوضح تقرير دولي صدر نهاية العام الماضي عن «أرخص العملات في العالم»، أن «التومان» الإيراني احتل المرتبة الأولى في سلم أرخص العملات العالمية ضمن 10 دول، منها فيتنام وساوتومي ولاوس وإندونيسيا وبيلاروسيا وغينيا وسيراليون وباراجواي وكمبوديا. وأثّر تدني سعر الصرف على استثمارات القطاع الخاص التي ظلت ضعيفة نظرا لارتفاع أسعار الفوائد المصرفية التي وصلت إلى 20% للحفاظ على استقرار سعر الصرف، وبالتالي اتجهت الأموال إلى الادخار وليس إلى التوظيف الاستثماري. أسباب انتفاضة 2017 قال تيري كوفيل، الباحث الفرنسي المتخصص في الشأن الإيراني، إن الاحتجاجات الإيرانية تعكس وضعاً اجتماعياً بائساً، وإن الإيرانيين فقدوا الثقة في نظام الملالي بأكمله، بعدما انتظروا طويلاً رفع العقوبات الدولية لتحسين أوضاعهم دون جدوى. وعن الفرق بين احتجاجات 2009 وانتفاضة 2017، قال «كوفيل» إن احتجاجات «الحركة الخضراء» في 2009، اندلعت بسبب شعور الإيرانيين أن النظام سرق صوته بإعادة انتخاب أحمدي نجاد، ومن ثم خرج 3 ملايين إيراني في طهران، لكن انتفاضة 2017 رفضت بشكل قاطع استمرار نظام الملالي، نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية. من جانبه، قال عماد قميحة الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني، إن «هذه الاحتجاجات ليست مجرد ردّة فعل سريعة على تردي الأوضاع الاقتصادية، لكنها تعبر عن أزمة عميقة تعكس بجلاء فشل نظام الملالي على المستويات كافة، مؤكداً أنه في حالة استطاع النظام إجهاض هذا الحراك، ستظل تداعياته قائمة، لا سيما فيما يتعلق بكسر حاجز الخوف، وانهيار قدسية الملالي». وفي يوليو 2016، تنبأ الخبير الاقتصادي الإيراني محسن رناني، بالاحتجاجات واسعة النطاق التي تحتاج البلاد حاليا، وقال «رناني» وقتها «إن الاقتصاد الإيراني وصل إلى طريق الكساد المسدود عملياً، وفي حال لم تتخذ الحكومة أسلوباً مناسباً للتعامل مع الوضع القائم، فإنه يجب علينا انتظار حدوث اضطرابات في الأجواء السياسية». وشبّه «رناني» الوضع الاقتصادي لإيران بالشخص المصاب بأمراض مزمنة عدّة، ولا يستطيع الجراح إجراء أي عملية جراحية له، وكذلك حال الاقتصاد الذي وصل إلى طريق مسدود، مؤكدا أن «الكساد، وأزمة المياه، والفساد هي القضايا المتأزمة والخطيرة في إيران، وإن لم تُبذل الجهود للوصول إلى حلول لهذه القضايا، فإن المنظومة السياسية ستنهار بالكامل». وفي إطار حديثه عن الكساد الاقتصادي الذي يخنق البلاد منذ بضع سنوات، قال «رناني» إن «عدد الوحدات الإنتاجية العاملة داخل الاقتصاد الإيراني في عام 2008 بلغ 17 ألف وحدة، بينما انخفض هذا العدد في عام 2013 إلى 14 ألف وحدة، ثم إلى 8 آلاف فقط عام 2016، الأمر الذي يشير إلى وجود أزمة اقتصادية طويلة الأمد في البلاد، ويشير كذلك إلى فشل السياسات المتّبعة للخروج من الكساد». وكان للاحتجاجات انعكاسات سلبية واضحة على الاقتصاد الإيراني، حيث انعكست الأوضاع على بورصة الأوراق المالية الرئيسية في البلاد، وتحولت الشاشة الرئيسية لسوق طهران للأوراق المالية إلى «اللون الأحمر» عدة أيام. وفقدت البورصة الرئيسية في البلاد أكثر من 2% من قيمتها في خلال أسبوع فقط عقب بداية المظاهرات، وخسر مؤشر بورصة طهران ما يقرب من 2000 نقطة حتى يوم 3 يناير، تأثرًا بالأحداث اليومية المتصاعدة في كل محافظات البلاد، مسجّلة بهذا الانخفاض واحدًا من أكبر الانخفاضات في فترة زمنية وجيزة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *