تقرير إخباري - العصر
يرى مراقبون أن بوتين لا يمكنه الاستغناء عن شراكة أميركية - روسية استخبارية، فموسكو لم تتخل يوما عن التعاون، إلا أن إدارة أوباما منعت في 2014 أي تواصل بين أمنيي البلدين، "ولكن يبدو أن الحس السليم يتغلب في الآونة الأخيرة، فبصرف النظر عن الظروف السياسية، تعود استخبارات البلدين إلى التعاون"، وفقا لما اعترف به أحد المسؤولين الروس.
ولا تُخفي موسكو قلقها من انتقام موالين لـ"تنظيم الدولة" أو متعاطفين معه في عقر الدار الروسي، وهذا الهاجس يتعاظم، والحاجة إلى واشنطن لمواجهته تزداد، لهذا كان ملفتا إعلان الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين اتصل هاتفيا بنظيره الأمريكي الرئيس دونالد ترامب ليشكره على الإسهام الاستخباري في إحباط هجوم كان يَستهدِف كاتدرائية كازانسكي في سان بيترسبورغ، ذلك لأن روسيا كانت تميل سابقا إلى إظهار القوة والتباهي بالقدرة على محاربة الجهاديين في سوريا كي لا تُحاربهم في روسيا.
لكن لا أحد من أجهزة الاستخبارات يصدق مزاعم روسيا بتحقيق الانتصار على "تنظيم الدولة" واستكمال المهمة في سوريا، بل إن التوقعات الاستخبارية تحذر من توجيه الانتقام المتعاطفين مع التنظيم أو المرتبطين به ضد روسيا التي قادت الصفوف الأمامية في الحرب ضد التنظيم في سوريا، وادعت هزيمته.
ويدرك بوتين حاجته إلى الخدمات الاستخبارية الأمريكية لصد وإحباط العمليات المسلحة في بلاده، رغم أن إدارة ترامب وصفت روسيا في إستراتيجيتها للأمن القومي بأنها تُهدد أسس النظام العالمي إلى جانب الصين، متهمة موسكو بالتورط في سياسات "تخريبية" في الدول الأخرى، والصين بأنها "عدوانية" اقتصادياً.
وهذا الانشغال الاستخباري الروسي والأمريكي استغلته إيران لتأمين ممرها البري إلى البحر المتوسط مروراً بالعراق وسوريا وصولاً إلى لبنان. وأشارت أنباء إلى أن إيران بدأت فعليا، مؤخرا، استخدام خط طهران دمشق، بعد أن ثبَتت وجودها العسكري في سوريا. ووفقا لتقديرات صحفية، فإن الضامنين الميدانيين لهذا الممر في الوقت الحاضر، هما الحشد الشيعي في العراق وقوات نظام دمشق الحليفة لطهران ومعها الحرس الثوري الإيراني"، الذي يشرف على إنشاء هذا الممر.
وأما ما يتوعَد به ترامب إيران من "تشدَد"، فإنه سيُمتحن عمليا في سوريا وكذلك في اليمن، كما كتب محللون، فإذا كانت إستراتيجية ترامب قطعاً اقتصادية ترتكز إلى العقوبات، فإن الطريق إلى جديتها يكمن في إقناع واشنطن العواصم الأوروبية المهمة، مثل برلين وباريس، بأن تكون شريكة فعلية في العقوبات الجديدة على إيران لمنعها من زعزعة استقرار حلفاء واشنطن.
وإذا كان "التشدد" الموعود حقيقة لا ادعاء، كما أوردت تحليلات متابعة، فإنه سيتطلب من واشنطن "التصدي" ميدانيا للتمدد الإيراني، بما في ذلك على خط إمدادات إيران العسكرية إلى المتوسط، وهذا يتطلب من واشنطن، وفقا لتقديرات، سياسة حازمة مع العراق كي يلجم "الحشد الشيعي" ودمجه حقيقة لا ادعاء في الجيش العراقي، وهو ما يستبعده مراقبون، ويستدعي أيضا إظهار الحزم في إعاقة خط الإمدادات الإيراني، ولكن إلى الآن لم تتحرك واشنطن عمليا في أي تضييق على إيران ومواجهة لنفوذها وقطع الطريق على خطها البري.
وما هو ثابت، حتى الآن، أن العمليات العسكرية موجهة ضد "تنظيم الدولة" في سوريا، ولا مساس بأي ذراع لإيران، وقد كان الموقف الأمريكي صريحا وواضحا بأنه من المُبكر استعجال روسيا إلى إعلان الانتصار وأن القوات الأمريكية باقية في سوريا، وهو ما يناقض ادعاء روسيا بأن سوريا وهو في الوقت "تحرَرت تماما من تنظيم الدولة".
ويبدو أن طهران عازمة على صد كل تحرك لمنع ترسيخ قدمها المتوسط عبر سوريا، لذا، فهي تحتاج نظام الأسد لتتمكن من تثبيت وترسيخ نفوذها وتأثيرها وتأمين مصالحها، وهي لا تُخفي خشيتها ممَا قد يخلفه تعزيز التقارب والتنسيق الأميركي الروسي من نتائج سلبية على المصالح الإيرانية.
فرغم تنافس المصالح الأميركية الروسية في سوريا، هناك قدر من التطابق في هذه المصالح، وهو أن لا تُمكن إيران من الاستفراد بسوريا ورسم خريطة مستقبلها وإحكام قبضتها عليها، فهذا ليس في مصلحة موسكو الإستراتيجية. لذلك، قد تتطلع إلى المساعدة الأمريكية في احتواء "الانتصار" الإيراني في سوريا.
ويبدو أن هناك استبدالا لــ"عقدة الأسد" بـ"العقدة الإيرانية"، فلا حديث اليوم عن رحيل الأسد في هذه المرحلة، لكن لا أثر لأي إستراتيجية لمواجهة النفوذ الإيراني، على الأقل حتى الآن، للتعامل مع "العقدة الإيرانية". وأكثر الجهد الحربي وإستراتيجيات المواجهة يتركز على محاربة "التنظيمات الجهادية السنية".
وقد تحدثت أنباء عن اجتماعات أمنية عقدها في الأيام الماضية مسؤولون أمريكيون وفرنسيون وبريطانيون وعرب في إحدى القواعد الأمريكية في سوريا واكبها مسؤولون أمنيون روس، من بعد، أفضت إلى وضع "خريطة طريق" لإنهاء التنظيمات المسلحة في المنطقة، ومنع أي وجود عسكري إيراني على طول شاطئ المتوسط من الساحل السوري إلى الساحل اللبناني، مع التصدي لأي "هيمنة إيرانية على مضيقي هرمز وباب المندب"، لكن لا أثر لهذا على أرض الواقع حتى الآن، وإن كانت ثمة جدية في هذا التوجه، ستظهر في سوريا والعراق واليمن، وإلا يبقى هذا ادعاء محضا.
الأحد, 30 نوفمبر 2025
حديث عن «إستراتيجية» أمريكية لمواجهة نفوذ إيران: كل الجهد الحربي حتى الآن لقتال «التنظيمات السنية»
