يخضع رموز من الحركة الإصلاحية بإيران للإقامة الجبرية في منازلهم، منذ عام 2011، غير أن الجدل ثار مجددا في الشارع الإيراني حول تلك المسألة مع توجه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي للإضراب عن الطعام في منزله الأسبوع الماضي.
ويقبع المعارض مهدي كروبي وزميله مير حسين موسوي وزوجته زهراء رهنورد قيد الإقامة الجبرية في المنزل، منذ 2011، بذريعة تأييدهم للاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد عقب الانتخابات الرئاسية عام 2009 بدعوى التزوير، والتي فاز فيها المرشح المحافظ محمود أحمدي نجاد.
ووفق الإعلام الإيراني، فإن السلطات لبّت طلب كروبي بخروج عناصر الأمن من منزله، لإنهاء الإضراب عن الطعام. وقال إسحاق جيهانغيري، النائب الأول للرئيس الإيراني حسن روحاني في تصريح صحافي “من المؤكد أن هذا الموضوع قد تم حله”، إلا أن الجدل حول القضية اشتعل مجددا، حسب صحيفة العرب اللندنية.
وقال نائب رئيس البرلمان الإيراني علي مطهري إن النظام يتخوف من محاكمة المعارض الإصلاحي البارز وزعيم حزب الثقة الوطني مهدي كروبي، معتبرا أن هذه المخاوف لدى النظام تكشف عن وجود ملفات مهمة بيد كروبي.
وبدوره، طالب الرئيس الأسبق محمد خاتمي قبل أيام، المرشد الأعلى علي خامنئي بإنهاء الإقامة الجبرية المفروضة على زعماء المعارضة. وفي السياق ذاته، بعث نائب رئيس البرلمان على مطهري برسالة إلى المتحدث باسم السلطة القضائية، دعا فيها إلى إزالة الإقامة الجبرية “الخاطئة” عن كروبي وموسوي وزوجته.
وبعد فشل إضرابه عن الطعام في تحقيق نتيجة، لا يزال الغموض يكتنف ما سيجري لدى عودة كروبي إلى منزله من المستشفى الذي نقل إليه، بسبب مرض في القلب، في ظل موجة التصريحات المتناقضة عن مصيره.
وبالتزامن مع ما أثاره وضع مهدي كروبي من جدل في الداخل، ارتفعت أصوات إيرانية في الخارج مطالبة بفرض عقوبات على النظام الإيراني لانتهاكه حقوق الإنسان وتصديره الإرهاب. فبالتزامن مع اجتماع نيكي هيلي سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة مع مسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول البرنامج النووي للنظام الإيراني، نظم إيرانيون مقيمون في فيينا، الأربعاء 23 اغسطس، وقفة احتجاجية أمام مبنى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يطالبون فيها بفرض عقوبات ضد النظام الإيراني لمشاريعه النووية ولتنفيذه الإعدامات بأرقام قياسية في العالم ومشروعه للصواريخ البالستية.
وأقيمت هذه المظاهرة لبضعة ساعات أمام مبنى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأكد الإيرانيون المشاركون في المظاهرة أن واقع حقوق الإنسان في إيران في تدهور شديد بعد توقيع الاتفاق النووي.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه النظام الإيراني، بمختلف ممثليه، من المرشد الأعلى إلى الرئيس وصولا إلى الحرس الثوري، ضغوطا كبيرة في الداخل والخارج؛ حيث تتصاعد الخلافات بين الحرس الثوري والرئيس حسن روحاني من جهة، فيما لا يزال الوضع الصحي للمرشد الأعلى مثار قلاقل كثيرة حول من سيخلفه وخلافات الدولة العميقة في هذا الشأن، ومن جهة أخرى يتصاعد التذمر في صفوف الإيرانيين خاصة الشباب الذين لم يعد يرهبهم قمع الباسيج والحرس الثوري.
ويتزامن هذا التوتر الداخلي مع تصاعد الضغوط الدولية على إيران وتراجع فرصها في تحقيق أهدافها الإستراتيجية بالتوسع مع تراجع حلفائها في اليمن وزيادة الضغوط لتحجيم دورها في سوريا والعراق، ناهيك عن العقوبات الأميركية الجديدة التي فرضتها واشنطن على طهران بسبب برنامجها للصواريخ البالستية.
ووقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثاني من شهر أغسطس الجاري مشروع قانون يستهدف أنشطة الحرس الثوري المرتبطة بالصواريخ والإرهاب بالإضافة إلى آثامه على الصعيد المحلي، من بينها التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان وتقييد حرية التعبير.
وبالتزامن، جرى وضع المرشحين الإصلاحيين كروبي وموسوي فضلا عن زوجته، تحت الإقامة الجبرية، في 18 فبراير 2011، دون المثول أمام المحكمة، بعد تحميلهم مسؤولية الاحتجاجات. واليوم، تخشى الدولة العميقة في إيران حدوث اضطرابات مشابهة، وهي تعلم أنه لا يمكن قمعها بالشكل الذي حدث مع احتجاجات 2009 وغيرها.
وبصفتهم المستفيدين الأوائل من النظام، في ما يتعلق بالسلطة والمال، لدى جنرالات الحرس الثوري كل الأسباب لمعارضة الإصلاح. ويشير مهدي خلجي الخبير في الشأن الإيراني في معهد واشنطن إلى أنه من خلال ممارسة نفوذه على خيارات حكومة روحاني، لم يكن خامنئي يسعى فقط إلى الحفاظ على سيطرته على الذراع التنفيذية، بل أيضا إلى تشويه صورة روحاني كشخصية معتدلة مزمعة على تجريد أجندة الجمهورية الإسلامية السياسية والاقتصادية الرئيسية من أيديولوجيتها.
ومن شأن مثل هذه الخطوة أن تضعف بشكل كبير قاعدة الدعم التي يتمتع بها روحاني وتشوّه سمعة أفراد “إصلاحيين” و”معتدلين” آخرين يدعمونه، مما يقوّض بالتالي قدرتهم على حشد الدعم خلال مواجهات مع المتشددين.
وترمي كافة التحولات الأخيرة التي أجراها المرشد الأعلى إلى عزل قوى النظام المتشددة عن تلك المعتدلة والحفاظ على طابعها الثوري. ويمكن أن يؤدي تمكين المتشددين إلى تمهيد الطريق أمام الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات ووزارة العدل وغيرها من الكيانات غير المنتخبة القوية إلى السيطرة على الحكومة حالما يغادر خامنئي الساحة، دون قلق جدي حول الإصلاحيين الداخليين أو المجتمع المدني.
