الثلاثاء, 30 يونيو 2026

الباكون على عطش الحسين... فمن يبكي على عطش الأحواز؟

272 مشاهدة
منذ 22 ساعة

الباكون على عطش الحسين... فمن يبكي على عطش الأحواز؟

كتب :صباح الموسوي 

لطالما شكّلت رواية عطش الإمام الحسين بن علي في واقعة كربلاء إحدى أكثر الصور حضورًا في الوجدان الشيعي، إذ تروي المصادر الشيعية أن الحسين وأهل بيته وأصحابه مُنعوا من الوصول إلى مياه الفرات خلال الأيام الأخيرة التي سبقت مقتله في العاشر من محرم سنة 61 هـ. وقد احتلت هذه الرواية مكانة مركزية في المجالس الحسينية والمراثي، حتى أصبحت رمزًا للظلم والمعاناة في الثقافة الدينية الشيعية.

وعلى مر العقود، استُحضرت صورة العطش في الأدبيات والخطب والقصائد بوصفها رمزًا للمظلومية، وأُطلق على العباس بن علي لقب "ساقي عطاشى كربلاء"، في إشارة إلى محاولته إيصال الماء إلى معسكر الحسين. وأصبحت هذه الصورة وسيلة قوية لاستثارة التعاطف الإنساني والتنديد بحرمان الإنسان من أبسط حقوقه.

لكن المفارقة التي يطرحها الواقع في الأحواز تثير تساؤلات مؤلمة: أين ذلك التعاطف عندما يتعلق الأمر بمئات الآلاف من العرب الأحوازيين الذين يعانون منذ سنوات من أزمات مياه متكررة، رغم أن إقليمهم يُعد من أغنى مناطق إيران بالأنهار والموارد المائية؟

فالأحواز تضم أنهارًا رئيسية مثل كارون والكرخة والدز والجراحي، إلا أن السياسات المائية التي اتبعتها السلطات الإيرانية، والمتمثلة في بناء السدود وتحويل مجاري المياه إلى المحافظات الداخلية، أدت إلى انخفاض مناسيب الأنهار وتفاقم أزمة المياه في المدن والقرى الأحوازية، خاصة خلال فصل الصيف.

ويُعد نهر كارون، أكبر أنهار إيران، المثال الأبرز على ذلك. فقد تراجعت كميات المياه المتدفقة فيه بشكل كبير نتيجة إنشاء عدد من السدود ومشاريع نقل المياه إلى محافظات أخرى، وهو ما انعكس سلبًا على الزراعة والبيئة ومياه الشرب في الأحواز.

كما أدى إنشاء سد الكرخة ومشاريع تحويل مياهه إلى تقليص الإمدادات المائية المتجهة نحو هور الحويزة، الأمر الذي تسبب في أضرار بيئية واقتصادية واسعة، إضافة إلى تدهور أوضاع القرى الواقعة على امتداد مجرى النهر.

أما مدن جنوب الأحواز، مثل المحمرة وعبادان، فقد أصبحت تعاني من ارتفاع شديد في ملوحة مياه شط العرب نتيجة انخفاض تدفق المياه العذبة، ما جعل الحصول على مياه صالحة للشرب تحديًا يوميًا للسكان.

ورغم الوعود الحكومية المتكررة بحل الأزمة، فإن معاناة الأهالي ما زالت مستمرة، وتسببت أزمة المياه في سلسلة من الأزمات الأخرى، شملت تراجع الإنتاج الزراعي، ونفوق الثروة الحيوانية، وازدياد الأمراض المرتبطة بتلوث المياه، فضلًا عن اضطرار كثير من العائلات إلى هجرة قراها ومزارعها بحثًا عن ظروف معيشية أفضل.

إن حرمان المجتمعات من المياه لا يقتصر أثره على العطش وحده، بل يمتد ليهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، ويقوض حق الإنسان في الحياة الكريمة.

ومن هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثير من أبناء الأحواز: إذا كان عطش كربلاء لا يزال حاضرًا في الذاكرة والخطاب الديني والسياسي، فلماذا لا يحظى عطش الأحوازيين بالقدر نفسه من الاهتمام والتضامن؟

إن الدفاع عن حق الإنسان في الماء يجب أن يكون موقفًا إنسانيًا ثابتًا، لا يرتبط بالهوية أو الانتماء، فالماء حق أساسي لكل الشعوب، وأي حرمان منه يستحق الإدانة والمطالبة بالمعالجة، بعيدًا عن الانتقائية والمعايير المزدوجة.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *